محمد علي الحسن

190

المنار في علوم القرآن

لقد تم النسخ ، كما هو معلوم في ظل مبدأ تنجيم القرآن الكريم ، أي : نزوله مفرقا على نجوم ودفعات ومراحل مختلفة ، بلغت في مجموعها نحوا من ثلاث وعشرين سنة كما أشرنا إلى ذلك ، كان لهذا التنجيم فوائده الكثيرة المعروفة ، ولكن الفائدة الرئيسة أو الغرض الأساس من هذا التنجيم تكمن في أنه كان هو الوسيلة الربانية لإعداد الفرد المسلم والأمة المسلمة ، بوصف هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس ، لأول مرة في التاريخ من خلال نصوص كتاب . . . فإذا كان القرآن الكريم هو الذي صنعها وأخرجها للناس خير أمة ، فقد تنزلت آياته الكريمة على مراحل وأوقات وفي مناسبات ، لإحكام بناء هذه الأمة الخيرة ، أو الأمة الوسط لبنة لبنة ، وآية آية ، وموقفا إثر موقف على اختلاف الظروف والأحوال ، ويختص الجيل القرآني الأول - أو جيل التنزيل إن صح التعبير - فوق ذلك بأنه الجيل الوحيد أو الجيل الأول في تاريخ هذه الأمة الخيرة الذي عبر به القرآن الكريم من أوضاع الجاهلية إلى أحكام الإسلام ، وانتقل به من جميع ملابسات الشرك إلى آفاق التوحيد . حتى حقق به القرآن الكريم ذلك « الجيل الأنموذج » أو « الجيل المثال » الذي يحتذى به إلى يوم الدين . هذا الجيل القرآني الفريد الذي ليس له نظير في تاريخ الإسلام ، وفي تاريخ بني الإنسان ، كان النسخ بالنسبة إليه واحدا من أعمق وأهم وسائل التربية والإعداد في بناء شخصياته على الصعيد الفردي ، وفي مواجهته على الصعيد الجماعي - كأمة ومجتمع - مع الجاهلية العربية وسائر الجاهليات الأخرى في الأمم والشعوب ، بل قد يمكننا القول : إن النسخ كان ضرورة لا بد منها لنقل أبناء عصر التنزيل من الجاهلية إلى الإسلام ، بدليل أنه جاء مرة نسخا مباشرا ، وجاء مرة أخرى على مراحل . . ولكن الذي يهمنا تأكيده هنا ، هو أن النسخ الذي عمل عمله في إعداد ذلك الجيل الفريد . . . لا معنى لاستمراره . . . بل لا يمكن له من أي وجه أن يوجد بعد ذلك العصر ، ونحن نتربى الآن بالاقتداء والتأسي بذلك الجيل . . . لا بالنسخ الذي ساهم في صنعه هو . . . فالتربية بالنسخ - إن صح الشعار أو التعبير - بالنسبة لجيل التنزيل ، يقابله بالنسبة لسائر الأجيال الأخرى بعده : التربية بالقدوة أو الاحتذاء بذلك الجيل الذي تمثلت فيه حجة اللّه على عباده إلى يوم الدين .